Friday, May 11, 2007



دار سوسن للنشر و التوزيع




كيف تُحيي الموتى

مسرحية





مصطفى السيد




مشهد (1)


( خشبة العرض مظلمة – اضاءة مركزة فقط على حيث يجلس الدكتور والصديق)


الصديق: هل عرفت؟

الولد قد مات

الدكتور: من؟

الصديق: الولد.. الأسمر.. المريض الذي فحصناه أول أمس.

الدكتور: كيف؟

لقد كان حيا

الصديق: لم يحددوا السبب بعد، ولست أظنم يهتمون بذلك.

الامتحانات قريبة

الدكتور: كان مرحا جدا

لماذا.. لماذا كان مرحا؟

هل تعرف أين هو الآن؟

الصديق ( مشيرا بيده الى الناحية الأخرى من المسرح): كالمعتاد


(تظلم ناحيتهم وتضيء الناحية الأخرى حيث يقف عاملا المشرحة في زيهم الأبيض وقد وقفوا في صرامة بشكل عسكري عاقدين أيديهم أمام صدورهم- يتقدم نحوهم الدكتور)


(الدكتور يتنحنح)


عامل 1: من أنت؟

عامل 2: من أنت؟

الدكتور: أنا.. طالب هنا

عامل 1: ماذا تريد؟

عامل 2: ماذا تريد؟

الدكتور: أن أرى الجثة التي جاءت أمس.

عامل 1: لماذا؟

عامل 2: لماذا؟

الدكتور: لابد أن أفحصها.

عامل 1: لماذا؟

عامل 2: لماذا؟

الدكتور: أحتاج اليها بشدة.

عامل 1: الطلبة لا يأتون هنا...

عامل 2: الآن.

عامل 1: ماذا تريد؟

عامل 2: يمكننا...

عامل 1: أن نتفاهم.

الدكتور: أي شيء.

عامل 2: الليلة..

عامل 1: وحدك.

الدكتور: حسنا ( ينصرف)

عامل 2: ها تظنه حقا يريد أن يفحصها...

عامل 1: أم أنه واحد آخر؟

عامل 2: لا شأن...

عامل 1: لنا بذلك.






مشهد (2)


(الجثة في المنتصف أو فوق منضدة يتسلط الضوء في منتصف المسرح-

الخلفية خالية الا من نافذة وبرواز به صورة لرجل عليه شريط أسود)


(الدكتور يخلع الملاءة البيضاء عن الجثة)


الدكتور: قد صرنا وحدنا

هل تذكرني؟

أعتقد أني أذكرك تماما رغم أنك مختلف


(يلمسه بطرف أصبعه)


أوه.. انك بارد الى حد بعيد

لا أذكر أنك كنت كذلك

أظنك كنت ساخنا

ولم تكن صامتا هكذا على الاطلاق

تغيرت كثيرا منذ لقاءنا السابق

لابد أن أفهم لماذا.. لماذا كل شيء


دعنا نبدأ..

دعني أتذكر خطوات الفحص


حسنا، من الفحص العام.. أنت ساكن تماما

لكن، هل أنت واعي؟

وجهك شاحب

دعني أقيس النبض ( يمسك يده)

لاشيء على الاطلاق.. ملمس يدك،

يا له من شعور غريب

التنفس هادئ تماما

ماذا ينقص؟

آه نعم.. الحرارة ( يضع ترمومتر)،

والضغط ( يقوم بقياسه)

الضغط ليس مرتفعا بالتأكيد، وكذلك الحرارة،

كل شيء منخفض جدا.

نأتي الآن الى السماعة

(يسمع صدره وبطنه ثم يسنده ليسمه ظهره)

آه.. لقد اختفت تماما كل العلامات المرضية القديمة

ولكن.. اختفى كل شيء،

المرض والحياة..

نهاية عبقرية لولا أنها نهاية

لا..

لا يمكن ذلك..



(يضع يديه على صدره في حنان)


الورم الذي كان يضغط على الرئة قد أزيل قي الجراحة، لكنك لم تفق بعدها فحسب.

جسدك الآن سليما مثلما لم يكن من قبل، فلماذا لا تحاول الاستمتاع بذلك؟


( يدور حول الجثة عدة دورات وهو يتأملها)


(خبط على النافذة يوقفه مفزوعا)


الدكتور (صائحا): من؟

الصديق: أنا.

الدكتور: ماذا؟

الصديق: لماذا لم تحضر اليوم؟

الدكتور: لم أكن أستطيع.

الصديق: أفهم ذلك.. ربما كان موت ذلك الصبي صادما بالنسبة لك.. صحيح أننا اعتدنا أجساد الموت، لكنها مرتنا الأولى لرؤية جثة ميتة رأيناها وهي تتحرك من قبل

على كل حال لابد لنا من التعود على ذلك

اننا في بداية الدراسة الحقيقية.

الدكتور: ( فترة صمت) أنا مشغول.

الصديق: حسنا

سأذهب الآن.. سلام.


( الدكتور يغلق النافذة سريعا ويعود الى الجثة-

يمسك اليد في حنان)


هل مر وقت طويل؟

(يقيس النبض ثانية ويتحسس الوجه ثم يعاود الدوران)

كان من السهل أن اسألك اسألة كثيرة لا معنى لها

الآن فقط أصبح بامكانك أن ترفض الاجابة

الآن فقط لابد أن تجيب.


(جرس موبايل)


آلو..

أمي.. نعم أنا بخير..

كلا..لا يمكن، أنالن اسافر_هذا الأسبوع. أنا مشغول جدا كما لم أكن من قبل..

أحتاج الى بعض المال

آه.. انتظري.. من فضلك،

أحد ما لابد وأن يضع الورد على قبر أبي كما اعتدت أن افعل كل أسبوع.. أرجو أن تدبري ذلك

آه.. لا.. لا أريدأن أسلم على أحد.. أنا مشغول جدا

نعم أنا بخير.








مشهد (3)


( الدكتور نائم على كرسيه ساندا رأسه فوق الجثة- ثم يقوم متثائبا وينظر اليها)


- صباح الخير

كيف حالك اليوم؟

أتعرف.. كنت معي طوال نومي صبيين نلهو معا بين الحقول

ربما كانت مرتي الأولى التي ألهو فيها مع أحد..

أنت لست المخطئ، انهم من البداية لم يهتموا بك

لكني أهتم..

وسأتفرغ لك تماما


( خبط على النافذة – يذهب نحوها ثم يلتقط حقيبة ويدفع مالا لشخص غير منظور

- يوجه كلاما للجثة)


- ها قد اشتريت لك عدة أشياء

أنا فكرت في امر، ماذا لو قمت بتجربة بسيطة

(يحقنه بحقنة بعد تجهيزها)

هذا عقار من أقوى العقاقير التي ترفع الضغط..


(يقوم بجس اليد ثانية – يظهر عليه الغضب)


- سنجرب شيئا آخر

هذه مجموعة من المقويات والأشياء المختلفة التي درستها..


لقد نسيت اسمك.. ما هو؟


فارق السن بيننا ليس كبيرا جدا.. كنت دوما أو أحيانا أفكر لو أن لي أخ مثلك

ربما لأني لا أنجح مع الأصدقاء.. لا أدري لماذا


تنتابني رغبة في أن أقترب منك


قل لي.. هل كنت سعيدا في عملك.. أم كان شاقا.. أم مملا؟

أنا سعيد بدراستي للطب

الانسان يستحق أن نتأمله، وأنا أجيد ذلك

هل فكرت أن تتأمل في أجساد الناس من قبل؟


ما هذا؟ الحقنة خلفت ورما في يدك..

ماذا أصاب أوعيتك؟!

( يحاول في الجهاز، وفي يده)

انك تجعل الأمر عسيرا.. على كل حال، ستذوب في جسدك مع الوقت

سأعطيك حقنة مضادة للتجلط


اسمح لي.. سيكون جيدا لو أجريت تشريحا بسيطا ليدك

أظن ذلك قد يساعد

(يقوم بالعمل على ذراعه)

أنا لم أعطك مخدرا خوفا من آثاره عليك

وحقيقة، ليس لدي مخدر


أنت قوي التحمل..

هل تشعر أم لا؟؟

أنتم السبب،

ما أن تموتوا حتى تصمتوا تماما!

بين كل هذا الصمت، كيف نعرف أو نراعي ألمكم؟


لو كنت تتألم فكر في شيء آخر وركز فيه

كل شيء يمكن تجاهله

دائما كل شيء يمكن تجاهله


(خبط على النافذة)


الدكتور: أوه.. آخرون من جديد

( الدكتور يتجه للنافذة – يفتحها)

ماذا؟

الصديق: جئت لكي أطمئن عليك.

الدكتور: شكرا.

الصديق: هل عرفت؟

المرأة قد ماتت

الدكتور: أي أمرأة؟

الصديق: التي طعنت.. رأيناها منذ عدة أيام.

الدكتور: أعتقد....... لم يعد معي مال يكفي..

الصديق: أي مال؟

الدكتور: دعني الآن.. أشكرك

الصديق: تبدو كم لم ينم منذ زمن بعيد، بل ربما كمن نام زمنا بعيدا

ذقنك وشعرك وملابسك.. كأنك من أصحاب الكهف.

الدكتور: مع السلامة

الصديق: لحظة..

ربما كنا عليك العودة لزيارة الطبيب النفسي..

انك...

الدكتور: مع السلامة

الصديق: لحظة..

أنا أحتاج الى ذلك المرجع الذي اشتريته من المعرض

الدكتور: كان سهلا أن تقول ذلك منذ البداية.. لحظة


(يغلق النافذة ويحضره من تحت المنضدة- يعود ويعطيه له)






مشهد (4)


( نفس المشهد ولكن يوجد جثة الصبي والمرأة- الدكتور يجلس بينهما- يحرك رأسه لفترة ثم يقول: )


- ربما كان التعارف بداية لكل شيء

هذا الصبي الذي مات في عملية استئصال ورم

هذه المرأة التي طعنت

آسف على هذا الأسلوب.. لكنني لا أذكر أسماءكم وانتم صامتون


في الحقيقة لم أكن أهتم بذلك، كنتم بالنسبة لي كمقاطع جافة في كتاب باللغة اللاتينية

لم أفكر أنكم بشر

أنتَ مثلا.. كانت لك ابتسامة جميلة جدا.. لكنني كنت أسخر منها لسبب لا أعرفه

كذلك كنت ثرثارا جدا.. أنت لا تعرف.. ذلك يؤلم رأسي

كل الأصوات تؤلم رأسي

في الحقيقة أنت الآن أفضل.. من تلك الناحية


أما أنتِ.. ربما شددتِ انتباهي بعض الشيء منذ البداية

أنتِ مختلفة عن كل اللذين نراهم عادةَ

في وجهك أثر لجمال قديم وهدوء نبيل حزين يثير التساؤل

لكن سريعا أصبحت حالة أخرى

كان الفحص يضايقك كثيرا.. ذلك يشعرني بالذنب

أحيانا يكون ذلك شعورا جميلا


... أتعرفان

من البداية كان شيء يربط بيننا

نحن الثلاثة

اننا نحيا عالم لا يحبنا ولا يهتم بنا

أنا لا أملك موهبة أن يحبني الآخرون

الكل يرحل عني أو أرحل عنه

أنتم أول من يستمع الي


(يربت على رأسيهما)


انتما جديران بكل وقتي وجهدي

أنا احتاج اليكم، فلا تخذلاني

... ولكن،

هناك شيء ما أخجل أن أصارحكم به.. خاص بالسيدة

حسنا

المصارحة أساس أي علاقة

ان لكما رائحة فظيعة!

أظن أنكما تحتاجان الى بعض الفورمالين

ذلك شيء قاس.. لكنه ضروري لحفظكم على الأقل حتى تقتنعوا بتجاربي

على كل حال، معي الآن بعض العقاقير المختلفة

سنجربها


(خبط على النافذة)


- يا الهي! .. من؟

الصديق: أنا.

الدكتور: ماذا الآن؟

الصديق: لن أطيل عليك

أنا في أشد الحاجة الى قميص أبيض يناسب البدلة.

الدكتور: حسنا.. هل يمكن أن تحضر لي بعض الفورمالي؟

الصديق: لماذا؟

الدكتور: أحتاج اليه.. أحتاج اليه لكي.......

الصديق: ماذا؟

الدكتور: طلبت مني أشياءً كثيرة ولم اسألك من قبل

الصديق: من ين أحضره؟

الدكتور: لا أعرف..

لكن ... المشرحة.. يمكن دائما أن تشتري أي شيء من المشرحة.

الصديق: ماذا سأقول لهم؟

الدكتور: ادفع فحسب

الصديق: كما تشاء

حضر لي القميص والجرافت حتى أعود

حقا، هل لديك حذاء مناسب؟

الدكتور: نعم ( يغلق النافذة)

( الصديق يطرق عليها)

الدكتور: ماذا؟

الصديق: وجوارب ومنديل

الدكتور: كل ما تريد

الصديق: في الحقيقة ليس عندي بدلة

الدكتور: اذهب لتحضر الفورمالين

احتاجه حالا..


(الدكتور يغلق النافذة ثم ينظر اليهم)


- الصمت فضيلة في العادة

لكن هناك أشياء لابد أن تعرف

ما أخباركم الآن؟

(يقيس لهما النبض- ثم يدخل جانبا)


( الشباك يفتح ليدخل الصديق متلصصا- يصل الى حيث الجثث فيراهم ويصيح: )


- اللعنة! ماذا يفعل ذلك المجنون؟!

( يأتي الدكتور من الخلف ليخنقه بالسماعة).





مشهد (5)


( في المشهد 3 جثث، الصبي والمرأة والصديق)


الدكتور:

آسف.. لم أكن أنوي قتلك.. حتى لو كنت أحيانا شعرت ببعض الرغبة في ذلك..

لكنك تدخلت فيما لا يعنيك

على كل حال أنت ستفيد التجربة كثيرا وأنا أعدك أني سأعيدك كما كنت


أنت على عكسهم في الواقع، فأنت سليم الجسد تماما واصابتك حديثة.. كما أنك تحب الحياة كثيرا


أنت تعرفهما.. أليس كذلك؟

من الآن، أنا وهما رفقائك في هذا المنزل..

بالنسبة لكما أظنكما تعرفان أيضا أنه زميلي، ورأيتموه من قبل بالتأكيد..

اننا الآن أسرة واحدة، ولنا هدف واحد


أتعرفون..

لم يشاركني أحد غرفتي من قبل، لكنه في الحقيقة شعور رائع تقريبا

هيا الى العمل

سنبدأ بالفورمالين.. فانتم للأسف تحتاجون اليه في الوقت الحالي


انها أسرة جميلة!

سيدة رائعة تصلح أما عظيمة وفتى خفيف الظل وشابان في نفس العمر..

جميل تماما.. ولكن .. ربما ينقصنا شيء واحد.. الأب

بعد نجاح التجربة لن يكون هناك موت

لن يكون هناك موت


صحيح،

لقد كنت قد أحضرت لكم دماء

لابد أن دماءكم قد تجلطت، هذا سيساعد كثيرا

لم أجد أكثر من ذلك في بنك الدم

ربما صارت دماء الناس أخيرا مهمة

لو احتجنا أكثر سأمنحكم دمي

(يقوم باعداد المحاليل)

- أنتم الآن كل شيء في عالمي

(يتجه اليهم واحد واحد لتركيب المحاليل)

- أنتَ.. أخي الصغير الحبيب- آخر العنقود

وأنتَ.. أخي التوأم.. وشريك هفواتي ودراستي

أما أنتِ.. فأمنا العظيمة..

( يركب المحلول ثم يتوقف عندها)


أنت جميلة

جميلة جدا..

وعظيمة أيضا..


بعد وفاة زوجك الحبيب اخترتي التفرغ للبناء كراهبة تملك جسما مقدسا وروحا صافية

تسهرين بجوار أبنائك تهتمين بدراستهم وحياتهم التي أصبحت تعيشنها في سعادة.

أنت امرأة جميلة

وأم رائعة

أنا ابنك البار المحب ورجلك..

هذا الصبي الشقي مزعج جدا، يحب الكرة ويدخن من ورائك..

والآخر لا يفكر الا في الفتيات والموسيقى التافهة!


أما الآن، فأنا أشعر بك وأجهد نفسي كي أليق بأمومتك النادرة

وأنت تحبينني جدا

أكثر من أي شيء في العالم

أنتم كلكم أهلي وأنا أحبكم جدا


هيا..

هيا قوموا معي كي نحتفل بسعادتنا ودفء حياتنا.. هيا


ما .. ما هذا؟؟

الدم كما هو

مازال في الأكياس كما هوا

(يتفحص المحاليل)


ما الأمر؟

لماذا ترفضون الدماء؟

سائل الحياة

لماذا ترفضوها؟؟

الأجهزة سليمة.. ما المشكل؟

لماذا

لماذاااااا

( يوقع المحاليل ويحرك الأسرة في عصبية)

لماذا؟؟

(يأخذ في الضرب فيهم والبكاء)


(الجثث الثلاثة ترفع أذرعتها عاليا)


(ينظر اليهم بفرح واضح)

- رائع

جميل..

انكم تتحركون..

انكم تحبونني .. انكم تحبونني

(يضحك في هستيرية)